في 8 أكتوبر، بعد يومٍ واحد من الهجوم على إسرائيل، تلقّيت اتصالًا من بروفيسور فينكر، المدير التّنفيذيّ للقسم الطّبي في ليؤومي، أحد صناديق الصّحة المقرّرة من دولة إسرائيل. أصيبت إحدى زميلاتي الممرضات بالرصاص خلال الهجوم بينما كانت تحاول إسعاف جندي مُصاب، ممرضة رئيسية في العيادة كانت تبحث عن شقيق زوجها المفقود. فهل كنت جاهزة لتحمل مسؤولياتهنّ؟
أجبته: عليّ أن أكون جاهزة وبخير. ليس لدي الامتياز كي لا أكون بخير. تضمّنت المسؤوليات العناية بجميع الممرضات العاملات في ليؤومي، بينما كان عليّ الموازنة بين واجباتي المعتادة كمسؤولة لبرنامج
“شاليم”، الّذي يدرّب الممرضات لدعم مقدّمي الرعاية (الوالدين)[1] حتى يتمكّنوا بدورهم من تقديم رعاية أفضل لأطفالهم الصّغار.
برنامج شاليم خو برنامج وطني تقدّمه وزارة الصّحة، بدعم من مؤسستي فان لير ويد هاناديف، وبالشراكة مع استراتيجي تطوير المنظمات “لوتيم” ومنظمة “غوشن” غير الربحية للصّحة المجتمعية.
يتم تشغيل برنامج “شاليم” من خلال عيادات طب الأطفال (تيبات حلاف)، وهي شبكة العيادات الوطنية للأطفال السّليمين في إسرائيل، والّتي تتمكن من الوصول إلى 97 بالمائة من العائلات في البلاد، حيث يُحضر الآباء أطفالهم الرضّع والصّغار لإجراء الفحوصات الروتينية والحصول على المشورة بكلّ ما يخص صحّتهم وتطّورهم. عندما بدأتُ العمل كممرضة في إحدى عيادات رعاية الأطفال، علمت أني وجدت طريقي. أحببتُ نهجنا في العمل مع الوالدين والأطفال. نحن لا نحكم على الوالدين، ولا نقيّم طريقة تربيتهم، نحن موجودون فقط لتقديم الدّعم لهم.
عام 2019 تقدّمت إلى برنامج شاليم، وهو إطار عمل ومجموعة من الأدوات لأجل تدريب الممرضات على تقديم الدّعم للوالدين. البرنامج مستوحى من نموذج الشركة الأُسرية المستند إلى الأدلّة، والّذي طوّره مركز دعم الوالدين والطّفل في المملكة المتحدّة،[2] يغطّي البرنامج مواضيع مثل: دعم الصّحة النّفسيّة للوالدين وتدريبهم على كيفية التّفاعل مع أطفالهم لدعم نموّهم.
مركز دعم الوالدين والطفل (دون تاريخ) نموذج الشراكة الأسرية. مؤسسة جنوب لندن وماودسلي للخدمات الصّحية (NHS). متاح على الرابط: https://slam.nhs.uk/service-detail/service/centre-for-parent-and-child-support-cpcs-146/ – service-family-partnership-model-tab (تم الوصول إليه في أكتوبر 2024)
أذكر أني شعرتُ بالمفاجأة وخيبة الأمل والحزن في البداية بسبب التّدريب. كل ما كانوا يقولونه عن كيفيّة تعامل الممّرضات مع الوالدين بدا لي شيئًا أقوم به بشكلٍ غريزي بالفعل. فكّرت: هل نحنُ بحاجة حقًا إلى تعلّم ما يبدو بديهيًا بالنسبة لنا؟
فكما يجد بعض الوالدين سهولة في التّحدث والتّواصل مع أطفالهم بينما يحتاج آخرون إلى تدريب، فإنّ بعض العاملين في المجال الطّبي بحاجة أيضًا للعمل على مهاراتهم في التّواصل. وحتى عندما تبدو المفاهيم الّتي يمرّرها التّدريب بديهية، فمن المفيد أن يتم تحفيزنا للتّفكير في كيفيّة تطبيقها على بعض المواقف الشائعة.
إنشاء نموذج علاقة إيجابية
على سبيل المثال، فكّر في شعور الممرضة عندما تتأخّر أم عن موعدها. من السهل بالطبع الشّعور بالانزعاج، فهذا سيجعلنا نتأخر عن مواعيدنا مع بقية الأمهات، وسنُلام على ذلك. لكن، بدلًا من إظهار انزعاجنا للأم، يمكننا قول شيء مثل: “من الواضح أن شيئًا ما حدث تسبب في عدم وصولك في الوقت المحدد، وحقيقة أنكِ هنا الآن تُظهر لي اهتمامك بما يكفي لتثابري على الحضور”. يمكننا تحويل الانزعاج والخطأ إلى موقف إيجابي، بطريقة تعزّز احترام الأم لذاتها.
في إحدى المرّات، أخبرتني إحدى الممرضات أنها عندما فعلت هذا مع إحدى الأمّهات، قامت الأم بشرح كلّ الصعوبات الّتي تواجهها في المنزل أثناء رعايتها لأطفالها الأكبر سنًّا من ذوي الاحتياجات الخاصّة. استمعت الممرضة لها، وقالت: “لقد قُمتِ بكلّ تلك الأشياء من أجل أطفالك الآخرين، ومع ذلك تمكّنت من الحضور هنا مع طفلك. أحسنتِ. أنتِ أم رائعة”.
الهدف هو جعل الوالدين يشعران بأنّهما يبذلان قصارى جهدهما، وأنّه لا أحد يحبّ طفلهما أكثر منهما. الإيجابية تولّد الإيجابية، والثقة بالنّفس تبني الثّقة بالنّفس، والقوّة تعزّز القوة _ إنّه تأثير كرة الثّلج. إذا غادر الوالدين العيادة بشعور أنهم خيّبوا أملك وفشلوا في رعاية طفلهم، فمن المحتمل ألّا يرغبوا في العودة.
مثال آخر؛ قد يكون من المُحبط تردّد أحد الوالدين في تطعيم طفله، خاصّةً ونحن دائمًا تحت ضغط الوقت. بدلًا من اللّوم أو الانتقاد، يمكننا البدء بالاعتراف بأنّ قلقهم -حتى لو كان في غير محلّه- ينبع من مكان مليء بالحب، ومحاولة إجراء حوار مُثمر.
يذكّرنا برنامج “شاليم” بأنّ الطّريقة الّتي نتعامل بها مع الوالدين تمثّل نموذجًا لكيفية تعامل هؤلاء الوالدين مع أطفالهم في البيت. نحن نبحث دائمًا عن الجوانب الإيجابية من أجل تعزيزها، ونظهر التّشجيع والتّقدير، نسأل ونستمع بدلًا من فرض جدول أعمالنا والادّعاء بأننا نعرف الأفضل.
الهدايا الصّغيرة والتعاطف مع النفس
تدريب “شاليم” كان مثل تموّجٍ في البركة: أجد نفسي أطبّق أفكاره ليس فقط في حياتي المهنية كممرضة، بل أيضًا في حياتي العائلية الخاصة كأم لسبعة أطفال وجدة لعشرة، وفي علاقتي مع نفسي – لأنّه ليس فقط عن كيفية تواصلك مع الآخرين، بل أيضًا عن كيفية تواصلك مع نفسك وتنظيم مشاعرك الخاصّة.
بعد هجوم السابع من أكتوبر، جرت العديد من المحادثات مع ممرضات أخريات حول كيفيّة التكيّف مع الأوضاع. كنا كثيرًا ما نلتقي أمهات يقمن في الفنادق بعد أن تمّ إجلائهنّ من منازلهنّ، أو أمهات تمّ استدعاء أزواجهنّ للخدمة العسكرية – العديد من الممرضات أيضًا كنّ في ذات الوضع، حيث يقلقنّ على أزواجهنّ المتواجدين في ساحة القتال.
تمامًا كما كنا نُساند الأمهّات في رعاية أطفالهنّ، كان علينا أوّلًا، أن نقوّي أنفسنا لنتمكّن من دعم الأمهات. وهذا يعني تذكير أنفسنا بالأشياء الّتي نقولها للوالدين حول أهمية التعاطف مع الذات. سنرتكب الأخطاء، وعلينا أن نغفر لأنفسنا. التعاطف مع الذات هو أساس التعاطف مع الآخرين.
أحد المفاهيم في برنامج “شاليم” يدعى “الهدايا الصّغيرة”. عندما يشعر الوالدان بالإرهاق، ننصحهم بأخذ وقت لملاحظة الأشياء البسيطة الّتي تعزّز معنوياتهم وتساعدهم على تخطّي اليوم. قد يكون ذلك من خلال الحصول على جليسة أطفال ليتمكّن مقدّم الرعاية من الخروج مع صديق أو مجرّد أخذ بعض الوقت لقراءة كتاب جيد. وعلى الرغم من أنّ مثل هذه النّصائح قد تبدو مألوفة جدًا، فإنّ برنامج “شاليم” يساعد من خلال جعل هذا المفهوم واضحًا ومنحه مسمّى.
في دراسة أجريناها مع أكثر من 500 أم، وجدنا أنّ ممارسة الرحمة بالذات هي من بين أهم العوامل المرتبطة بالصّحة النّفسيّة المُدركة ذاتيًا. في محاولة لفهم ما يؤثر على رفاهية الأمهّات، قمنا بدراسة مستويات الدّعم الاجتماعي، التعاطف مع النفس وأنشطة العناية الذاتية. عبر المتغيّرات، كان التعاطف مع الذات هو العامل الأكثر تأثيرًا في رفاهية الأمهات. من خلال الدّراسة، فهمنا أهمية إدراك الأم لنفسها وطريقة حديثها مع نفسها؛ لذا في تفاعلاتنا مع الوالدين، نحاول تعزيز حالة ذهنية مليئة بالتعاطف الذاتي. كما قالت إحدى الأمهات: “الممرضة تقول لي ألّا أستسلم لرفاهيتي وأن أقوم بأشياء أستمتع بها. هذا أنقذني مع طفلي الأوّل؛ لقد ساعدتني في العثور على طريقي.”








